المحاور

المنتدى الثالث: المدرسة المغربية ومهام تأطير الحاجات الوطنية الحقيقية للتنمية

عرفت المدرسة المغربية، خلال الفترة الأخيرة، حالة احتقان اجتماعي غير مسبوقة، كشفت عمق الأزمة التي يعيشها قطاع التعليم، وأبرزت في الآن نفسه حجم الانتظارات المعلّقة عليه. غير أن طرح موضوع المدرسة المغربية ضمن «حوارات المشاركة» لا ينطلق من منطق تدبير الأزمات الظرفية، بقدر ما يستند إلى قناعة راسخة بأن المدرسة تظل نقطة الارتكاز الأساس في أي مشروع مجتمعي يسعى إلى التقدم والتنمية.

فالمدرسة ليست مجرد فضاء للتلقين أو استنساخ المعارف، بل هي الأداة المركزية لترجمة الاختيارات الاستراتيجية الكبرى للبلاد، وصياغة ملامح النموذج التنموي المنشود، والارتقاء بالفرد والمجتمع. ومن ثم، فإن أي تفكير جدي في التنمية الشاملة، أو في العدالة الاجتماعية والمجالية، يظل ناقصًا ما لم يجعل من إصلاح المدرسة مدخلًا بنيويًا وأولوية وطنية.

إن إصلاح المدرسة المغربية يقتضي بناء نظام تربوي يستند إلى تشخيص واقعي، واختيارات واضحة، تتلاءم مع خصوصيات المجتمع المغربي، وتستجيب لحاجاته الحقيقية. وهو ما يفترض انتقال المدرسة من وظيفة إعادة إنتاج الأنماط الثقافية التقليدية، إلى فضاء منفتح على محيطه، منتج لقيم المواطنة، والابتكار، والمسؤولية، وقادر على تمكين المتعلمات والمتعلمين من المؤهلات والخبرات التي تسمح لهم بالمشاركة الفعلية في إعادة بناء العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وفي إنجاح مشروع مجتمعي مستقل ومنفتح على القيم الإنسانية الكونية.

وتكمن الوظيفة الاستراتيجية للمدرسة، بهذا المعنى، في كونها قاطرة التنمية ومحركها الأساس، باعتبارها المجال الذي تُغرس فيه القيم، ويُكوَّن فيه المواطن، بوصفه منتج التنمية وغايتها في آن واحد. فالمدرسة المنتجة التي ننشدها هي تلك القادرة على تربية الأجيال الجديدة على التفكير النقدي، والاختيار الإيجابي لمسارات حياتهم، والانخراط الواعي في الشأن العام.

غير أن إصلاح المدرسة المغربية لا يرتبط فقط بتعبئة الموارد المالية، على أهميتها، بقدر ما يرتبط بوجود إرادة سياسية واضحة، وباعتماد مقاربة نسقية وشمولية، تعيد النظر في النموذج البيداغوجي المعتمد، وتنزل الإصلاح إلى تفاصيل المدرسة الواقعية، بسياقاتها المجالية والاجتماعية، وخصوصيات الفئات التي تستهدفها. وهو ما يقتضي إشراكًا حقيقيًا وفعّالًا لمختلف الفاعلين التربويين، والشركاء الاجتماعيين، والأسر، والمجتمع المدني.

وفي هذا الإطار، يكتسي عدد من التدابير ذات البعد الاجتماعي والتربوي أهمية خاصة، من قبيل دعم المدرسة العمومية، وتعزيز الإنصاف داخلها، من خلال إجراءات عملية مثل توحيد الزي المدرسي، وتعميم التغذية المدرسية، والخدمات الصحية، وكل ما من شأنه أن يحدّ من الفوارق الاجتماعية والمجالية، ويجعل من المدرسة المغربية فضاءً حقيقيًا لتكافؤ الفرص، ومختبرًا لإنتاج العدالة الاجتماعية.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، يندرج هذا المنتدى ضمن “حوارات المشاركة” كفضاء مفتوح للتفكير الجماعي في سبل إعادة الاعتبار للمدرسة المغربية، وجعلها في صلب المشروع التنموي الوطني، وفي قلب بناء الدولة الاجتماعية الديمقراطية.

أسئلة المنتدى:

  • كيف يمكن إعادة بناء المدرسة المغربية لتستجيب للحاجات الوطنية الحقيقية للتنمية، بدل الاكتفاء بإصلاحات جزئية أو ظرفية؟
  • ما النموذج التربوي القادر اليوم على التوفيق بين الخصوصية الوطنية والانفتاح على القيم الإنسانية الكونية؟
  • كيف نجعل من المدرسة فضاءً لإنتاج المواطن الفاعل، لا مجرد متلقٍّ للمعرفة أو ضحية للفوارق الاجتماعية؟
  • ما الأدوار المنتظرة من الدولة، والأطر التربوية، والأسر، والمجتمع المدني، في إنجاح إصلاح المدرسة العمومية؟
  • وإلى أي حد يمكن للتدابير ذات الطابع الاجتماعي داخل المدرسة أن تشكل مدخلًا حقيقيًا لتحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص، وتعزيز الثقة في التعليم العمومي؟

Comments: 51

Leave a comment